منتديات : الأستاذ بوعجاجة حسان
السلام عليكم

وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف والعلم :

اذهب الى الأسفل

وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف والعلم :

مُساهمة من طرف hacene في السبت مايو 07, 2016 5:41 pm

يصعب إيجاد تعريف محدد للفلسفة فمنهم من يصفها بالدهشة والانبهار حتى بالأمور الاعتيادية وآخرون نعتوها بمحبة المعرفة أو الفضيلة فأيا كان التعريف الذي يطلق عليها فالكل يجمع على أنها أم العلوم لأنها كانت السباقة لملامسة أقصى حدود التفكير وتولت المهمة الأصعب المتمثلة في الخوض في الماورائيات وسر الوجود وأصل الموجودات ولكنها اليوم تنازلت عن أراض كانت حكرا عليها لصالح بناتها الفيزياء والكيمياء وعلوم الفلك والبيولوجيا....
تشابه شكل المجرة مع هذه القوقعة يدعو للتأمل

جذور فلسفة وحدة الوجود

وتعتبر قضية وحدة الوجود من أصعب القضايا الفلسفية التي تناولتها الفلسفة التي تعمق فيها لاحقا المتصوفة وبحث عن آثارها العلماء. لقد كانت وحدة الوجود في الحضارات القديمة مفضوحة صريحة، وأحياناً مشاراً إليها في لغة الخطاب، كقولهم: «إذا فهمت ورقة واحدة من أوراق الأشجار فسوف تفهم الكون كله»، وظهر خلال العصر الحديث ما يحاكي هذه الصيغة كتصور الفيلسوف الألماني لايبنتز بأن قطرة من الماء تحتوي على نسق الكون كله، أو كما أنشد الشاعر الإنجليزي (وليام بليك) هذه الأبيات من الشعر: ﻟﺘﺭﻯ العالم في حبة رمل، والسماء في زهرة برية، لذا أمسك اللانهاية براحة يدك والخلود في ساعة واحدة. 

رأي الصوفية في وحدة الوجود

كان من الواجب علينا أن نذكّر بتلك الاعتبارات، كي نعرف أي نوع من وحدة الوجود استعادها العلم المعاصر من علوم الحضارات القديمة. فالمسلمات العلمية المعاصرة حول تحليل المادة والطاقة ورد كل منهما إلى الآخر، وكذلك إرجاع جميع الأشياء من العناصر والمركبات الكونية إلى جسيمات متماثلة واقعة تختلف فقط في ترددها الموجي يفوق التصور العقلي، الأمر الذي يجعل من حركاتها وتفاعلاتها تتخذ إنساقاً هندسية تمثل أساس التكثر والاختلاف الذي نراه في الوجود الطبيعي. أن هذه المسلمات لهي ذات دلالة واضحة على وحدة الوجود. ولو في اطارها الطبيعي الضيق، التي كان القدماء المسلمون وخصوصا ذوي التوجه الصوفي يصعب عليهم توضيحها، فشبهوها بتشبيهات عديدة كالشعلة الجوالة، والبحر وأمواجه، والنور واختلافه في القوة والضعف، واللوح والمداد، وغير ذلك من التشبيهات الأخرى. لكن أقربها إلى الفهم العلمي هو الأخير ذو المغزى (الصوفي) من وحدة الوجود.

فالمداد المطبوع على اللوح بأحرف مختلفة يجلّي حالة ما كان يسمى بـ «الكثرة في الوحدة، والوحدة في الكثرة». إذ لا وجود في اللوح سوى المداد، ومع ذلك فالتنوع والاختلاف في شكل هذا المداد - بالحروف - إنما يعني وجود التكثر وسط الوحدة، ووجود الوحدة في التكثر. فما يُرى من فوضى التكثر والاختلاف يضمر انسجاما في الوحدة، وما يُرى من هذه الوحدة يضمر ذلك التكثر والاختلاف، فهو شبيه بما يقوله أصحاب نظرية الكايوس الحديثة أو الفوضى المنظمة من وجود النظام داخل الفوضى نفسها»، أو ما يسمى بهندسة الفراكتال أو ظاهرة التكرار المتغير في الطبيعة، فكل تفصيل صغير يحتوي على الكون كله، رغم أن له كونه الخاص المختلف، مما يعطي مزيجاً من التنوع والكلي في آن واحد. فالتصوير السابق الذي صوّره أصحاب النظام الوجودي داخل الحضارة الإسلامية يطابق إلى حد كبير ما توصّل إليه العلم المعاصر من أن جميع القوى الطبيعية والعناصر والجسيمات .

نظرية الأوتار والفيزياء الكمومية تميط اللثام عن لغز وحدة الوجود

أما من حيث الجسيمات النهائية فهي مصنفة إلى عدد من الأصناف المختلفة، هي الكواركات واللبتونات ومنها الإلكترونات، لكنها متقاربة ومتشابهة، إذ عادة ما تختلف طبقاً لمقدار كتلتها أو نوع شحنتها أو بحسب دورانها المغزلي (السبين)، وبعضها يتحول إلى البعض الآخر، إضافة إلى ما تشترك به من التحول إلى الطاقة. حتى أن رائد نظرية اللاتحدد الجسيمية (هايزنبرج) يرى بأن هناك جوهراً واحداً أساسياً يتكون منه كل الواقع، كالذي يبحث عنه فلاسفة الإغريق القدماء، وهو ما يسمى بالطاقة، التي لها أشكال مختلفة. ومع أن هناك من يرى بأن جملة من الجسيمات النووية الثقيلة (الهادرونات) كالبروتونات والنيترونات لا يمكن اختزالها إلى جسيمات أولية، وهو المذهب الذي طوّره (جوفري شو) في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، والمسمى بمذهب (الديمقراطية النووية)، إلا أن التطورات التالية بيّنت بأن هناك بالفعل جسيمات أولية تمّ تحديدها كما تتمثل بالكواركات.
. ولا شك أن فرض البساطة على الطبيعة يتسق وطريقة النظام الوجودي من رد الأمور إلى الوحدة، وكما يقول أينشتاين بأن العالِم الفيزيائي قد يبدو فيثاغورياً أو افلاطونياً طالما يعتبر مسألة البساطة المنطقية شيئاً لا مفر منه، وأداة مؤثرة في بحثه. 

وعموماً فإن هذه الجسيمات تعد أساس ما يتمظهر عنها من عناصر ومركبات وأجسام مختلفة ، حيث تتخذ أشكالاً مختلفة من التكدس والتنقل والتذبذب والتهندس والإختفاء والكمون وسط البساط الموجي الذي لا يعني شيئاً دونها. وبحسب نظرية الأوتار فإن ما يبدو جسيمات أولية مختلفة هو في واقع الأمر نغمات متباينة لوتر أساس واحد. فثمة عدد ضخم من الأوتار المتذبذبة التي تمثل سمفونية كونية، فلكل وتر نسق اهتزازي رنيني ينشأ عنه جسيمة ذات طبيعة محددة وفقاً لطبيعة الإهتزاز، فالأنساق الإهتزازية للوتر المجهري تولّد كتلاً وشحنات قوى مختلفة، وبالتالي فخواص جميع الجسيمات والقوى الطبيعية المختلفة مردها إلى تذبذبات الوتر، أو أن جميع المواد والقوى لها مكون واحد أساس يتمثل بالوتر المتذبذب، لذلك يقال بأنه لو فهمنا المكونات الأساسية لفهمنا كل شيء دون استثناء، وهي  بالتالي نظرية كل شيء كما يقال.

نقطة التقاء بين الصوفية والفلسفة والفيزياء في إثبات وحدة الوجود

وكل ذلك يعني إعادة إحياء تلك المقولة الفلسفية الآنفة الذكر «الكثرة في الوحدة، والوحدة في الكثرة». فالتكثر والتنوع في مختلف أجزاء الطبيعة ومظاهرها وعلاقاتها مستمد من تلك النقطة الجوهرية لوحدة الجسيمات التي تتجلى فيها المظاهر المختلفة وسط لوح التموجات. وعلى الرغم من أنها هي الموجودة حقيقة وليس هناك شيء آخر غيرها في عالم الكون، فإنها تبدو مختفية تماماً، وما يظهر من عوالم كونية مختلفة، إنما هي مظاهر لها تسترها وتخفيها، بل هي عين السراب عند النظر والتدقيق، إذ حقيقة ما موجود هو «الجسيم» وحده، وما عداه وهم ناتج عن نشاطه الموجي.
 الشيء الذي يماثل قول أصحاب المتصوفة المسلمون  من أن «الوجود» لشدة ظهوره كان أكثر الأشياء خفاء، بل هو الظاهر والباطن ولا شيء غيره في لوح الوجود البتة، أو قولهم صراحة ليس في الوجود إلا «الله» وما عداه وهم وباطل.
                      
                                                                                     
جورج جونسون: بحث في نظام الكون
ستيفن وينبرغ: الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون
إبن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة
جيمس جينز: الفيزياء والفلسفة
avatar
hacene

المساهمات : 256
تاريخ التسجيل : 16/02/2016
الموقع : منتديات الأستاذ: بوعجاجة حسان

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hacene.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى