منتديات : الأستاذ بوعجاجة حسان
السلام عليكم

مشكلة الذاكرة .النسيان .

اذهب الى الأسفل

مشكلة الذاكرة .النسيان .

مُساهمة من طرف hacene في الجمعة أبريل 15, 2016 11:18 am

المشكلة الحقيقية التي يواجهها العصر الحالي هي السيل الجارف من المعلومات الفضفاضة التي نتعرّض لها كلّ يوم؛ ففي الماضي كانت هناك برهة من الوقت يخلو فيها الإنسان إلى نفسه؛ لينظر إليها من الداخل، ويفكّر ملياً فيما يدور حوله. الإنسان في هذا العصر الحديث أصبح مستقبلاً سلبياً لفيضان لا ينقطع من الأخبار والمعلومات
التي تصل إليه عبر الهاتف، والفاكس، والإذاعة، والتلفاز، والصحافة،
وشبكة الإنترنت، والبريد الإلكتروني. عندما ترد إلينا كلّ هذه الأخبار والمعلومات بصورة تفوق قدراتنا الطبيعية على استقبالها، والتعامل الأمثل معها، فإن العقل لا يصبح قادراً على استقبال أيّ شيء جديد.
بينما تتضخّم ذاكرة الحاسوب تنوء ذاكرة الإنسان بما يتدفّق عليها في هذا العصر من معلومات ليتصاعد الإحساس بمشكلة النسيان؛ فالإداريون والمتعلّمون في مقتبل العمر يسعون إلى تقوية ذاكراتهم حتى يتمكّنوا من ملاحقة الأخبار والمعلومات التي يريدون معرفتها واكتسابها. العصر الراهن هو (عصر المعلومات)؛ ففي كلّ يوم يطّلع الناس على معارف جديدة، وكمٍّ هائل من الأحداث والارتباطات المهمة التي ينبغي على الإنسان القيام بها، وكلّ هذا يحتاج إلى ذاكرة نشيطة تستطيع استرجاع المعلومة المناسبة في الوقت المناسب.
تعريف الذاكرة
لا يُوجد تعريف وحيد للذاكرة يمكنه أن يمثّل وجهات النظر المختلفة حول هذه العملية النفسية المعقّدة، لكن هناك من يرى أن الذاكرة هي «القدرة على التمثّل الانتقائي Selectively Represent (في واحدة أو أكثر من منظومات الذاكرة) للمعلومات التي تميّز بشكل فريد خبرةً معينةً، والاحتفاظ بتلك المعلومات بطريقة منظّمة في بنية الذاكرة الحالية، وإعادة إنتاج بعض هذه المعلومات أو كلها في زمن معيّن في المستقبل تحت ظروف أو شروط محددة». ويشير جيمس دريفر إلى الذاكرة بأنها «ذلك الأثر الذي تتركه الخبرة الراهنة. هذا الأثر -الذاكرة- يؤثّر في الخبرات المستقبلية، ومن مجموع تلك الآثار يتكوّن التاريخ النفسي للفرد». ويعرّف بعض علماء النفس الذاكرة بأنها «استعادة الماضي مع معرفتنا أنه ماضٍ؛ فهي تستلزم جهداً عقلياً وإرادياً، مع تحديد الزمان والمكان اللذين وقعت فيهما الحادثة». ويعرّفها آخرون بأنها «وظيفة عقلية تقدر على استرجاع الماضي، وتحديد الذكريات، في إطار الزمان والمكان، والشعور بأن هذه الذاكرة جزء من حياتنا الماضية».
الذاكرة -إذاً- هي القدرة على تذكّر الأحداث والتجارب التي مرّت بنا، وهي جزء حيوي جداً في حياتنا؛ فهي التي -بوعي منا أو من دون وعي- تُهدينا في العودة إلى بيوتنا، وتأخذنا إلى العمل مع إشراقة كلّ صباح جديد، وتمكّننا من قضاء ما نحتاج إليه، وتساعدنا على إنجاز كلّ أعمالنا، وهي التي تجعلنا نقيم العلاقات مع أفراد أسرتنا وأصدقائنا وزملائنا، حتى المهارات العادية كالمشي والكلام، وهي نتيجة لقدرتنا على تذكّر الأشياء التي تعلّمناها في سنّ مبكرة. يقول جورج ميلر: «الذاكرة هي حفظ المهارات والمعلومات السابق اكتسابها واستبقاؤها؛ أي: هي بمنزلة مستودع للمعلومات والمعارف العقلية، ثم المهارات الحركية والاجتماعية المختلفة».
كيف تعمل الذاكرة؟
ظلّت الإنسانية زمناً طويلاً لا تعرف شيئاً محدداً عن الذاكرة مع أنها تُمارس دورها الطبيعي في حياة البشر الطبيعيين العقلاء، وبعد ذلك أدرك الإنسان أن الذاكرة مَلَكة من ملكات المخ، لكن لا سبيل أمامه إلى تحليلها، أو معرفة مصدرها، لكن الأبحاث الفسيولوجية المتطورة أثبتت حديثاً أن هناك جزءاً في منطقة الهيبوكمبس Hippocammpus، والأميجدالا Amygdala في المخ، مسؤول عن ذاكرتنا التي تحفظ الحقائق والمعلومات؛ فإذا جرى استئصالها من مخ الإنسان يصبح من دون ذاكرة للمعلومات، لكن باستطاعته أن يتعلّم أشياء جديدة من خلال ذاكرته التعليمية الإجرائية العمليةProcedures؛ مثل: ركوب الدراجة، أو قيادة السيارة، أو العمل على الآلة الكاتبة.
والسؤال المهم هنا: هل تعدّ الذاكرة كائناً مُحدّداً يُورث ضمن الجينات الوراثية عند الإنسان، فتكون ثابتةً منذ الولادة؟ والإجابة التي توصّل إليها العلماء بالنفي المؤكّد؛ فليس معنى أن لدى الإنسان ذاكرةً ضعيفةً أنه لا يستطيع أن يقوم بتدريبها وتنميتها. والمخ البشري يتّسع لتصنيف المعلومات وتخزينها وتذكرها إلى الدرجة التي يستطيع معها هزيمة أفضل حاسب آلي في العالم؛ فالمخ البشري يعمل بسرعة ومرونة رائعين وغير عاديين يفوقان عمل أيّ جهاز حاسب آلي؛ إذ يستطيع التمييز بين أنواع الحيوانات المختلفة –على سبيل المثال- في جزء من الثانية من دون أدنى صعوبة.
ومع ذلك، فإن نظام عمل الذاكرة الطبيعي لا يمكن الاعتماد عليه اعتماداً كلياً، فنلقي بمفكراتنا ويومياتنا ووسائل التذكّر المعاونة الأخرى بعيداً، لكن من الضروري أن نتعرّف كيفية عمل الذاكرة، وأسباب ضعفها؛ حتى نعرف ما يجب علينا أن نقوم به، وما يجب علينا أن نتجنّبه إذا أردنا أن نحصل على ذاكرة قوية ونشيطة.
وتعرّف كيفية عمل نظام الذاكرة أمر سهل؛ فإنه يُشبه إلى حدّ بعيد عمل جهاز التسجيل؛ إذ يمكن للإنسان تسجيل صوته وتخزينه على شريط، ثم يعيد الاستماع إليه إذا أراد في أيّ وقت، وبالمثل يمكن تغذية المخ بالمعلومات، وهناك يتم تخزينها، ويستطيع استدعاءها عندما يحتاج إليها. وفي جهاز التسجيل لا يتم العمل إلا إذا قام الإنسان بالضغط على مفتاح التشغيل، وهو ما يحدث أيضاً بالنسبة إلى الذاكرة؛ إذ لا يمكن حفظ المعلومات التي يسمعها أو يراها إلا إذا انتبه جيداً؛ فالذاكرة ليست جهازاً يعمل بمفرده، لكنها تتكوّن من عدة أنظمة معقدة تؤدي وظائف مختلفة، تنتج في النهاية قدرةً على تخزين المعلومات، وعلى جعلها متاحةً إذا طلب الإنسان استدعاءها.
أنواع الذاكرة
يقسم بعض العلماء الذاكرة إلى الأنواع الآتية:
- الذاكرة القصيرة المدى:
يُطلق على الذاكرة القصيرة المدى Short– Term Memory أيضاً: الذاكرة التفسيرية، أو الذاكرة النشيطة، ووظيفتها حفظ عدد محدود من المعلومات (نحو سبعة أشياء)، وتذكّر التواريخ وأرقام الهواتف، كما تفيد الإنسان في إجراء الحسابات السريعة، وتحليل الأحداث، واتخاذ القرارات التي لا يهمّ الاحتفاظ بها مدةً طويلةً. والذاكرة هنا سريعة البناء، وسهلة النسيان؛ فأغلب ما نستقبله من معلومات يعلق وقتاً قصيراً (نحو ثلاثين ثانية) في هذه الذاكرة، ثم يتبخّر سريعاً مثلما تختفي معلومات الحاسب الآلي الموجودة بالذاكرة RAM فور فصل التيار الكهربي، لكن يمكن أن تدخل هذه المعلومات الذاكرة الطويلة المدى إذا أُعيد تكرار هذه المعلومات على الذهن.
إن ظاهرة الفقدان الجزئي أو الكلي للخبرات أو المهارات التي سبق للفرد أن تعلّمها، أو صعوبة استرجاع مادة سبق له أن حفظها، لها ارتباط بالأرقام أو المفردات اللغوية أو غيرها من المواد التي سبق أن تعلّمها ذلك الفرد في المراحل الدراسية المختلفة، جعل كثيراً من الناس يسأل: لماذا يحدث ذلك؟ والجواب هو: لقد توصل العلماء إلى الأسباب المباشرة التي تؤدي دوراً مهماً في التذكّر القصير المدى، وهي أن المعلومات الجديدة التي تلقاها الفرد لم يتسنّ لها أن تصل إلى مدى التذكّر الطويل، وأن المثير لاستجابة التذكّر يكون ضعيفاً، وأن تكوّن الذاكرة، وقد وُضعت تلك المعلومات تحت حلقات كثيرة كما نضع المعلومات في الحاسب الآلي، يؤدي إلى تداخل المعلومات في ذاكرة الفرد؛ فيجعل موقف التذكّر معقداً.
 
الذاكرة الطويلة المدى:
يطلق على الذاكرة الطويلة المدى Long– Term Memory أيضاً: الذاكرة الإجرائية، وهي تقوم بتخزين المعلومات مدةً طويلةً، وهذه الذاكرة تحتاج إلى تدريب وتكرار. والذاكرة الطويلة المدى تشبه القرص الصلب الذي يحتفظ بالمعلومات في جهاز الحاسب الآلي حتى بعد فصل التيار الكهربي. يقوم عقل الإنسان بتخزين الذاكرة الطويلة الأمد في قشرة المخ الخارجية المسماة Cerebral Cortex، وهذه المنطقة تحتوي على نحو عشرة بلايين خلية عصبية، كلّ خلية لها ساق طويلة ومتشابكة مع خلايا أخرى تماماً، مثل سيقان النباتات المتسلقة. وتتواصل الخلايا العصبية معاً عبر رسائل كيميائية وكهربائية دقيقة، وتستقبل فيها كلّ مرة مؤثراً خارجياً، مثل: صورة، أو صوت، أو فكرة، تنشّط مجموعةً معينةً من الخلايا العصبية الموجودة في القشرة، وبعد نشاطها لا تعود هذه المجموعة من الخلايا إلى ما كانت عليه سابقاً، بل تقوّي الارتباطات الموجودة بينها، وتكون شبكةً مترابطةً من الخلايا، وكلّ مرة تنشط فيها هذه الشبكة يستعيد العقل ذاكرة المعلومة التي أنشأتها أول مرة. هذا الأمر يعني أن ما نطلق عليه اسم (الذاكرة) ما هو إلا مجموعة من شبكات الخلايا العصبية المترابطة. وتتضمن هذه الذاكرة: القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والخبرات التي مرّت بالفرد، وإعادة المعلومات التي سبق أن تعلمها الفرد، ويذكر بعض العلماء أن الكلمات ذات العلاقة يتذكرها الفرد أكثر من غيرها، وعندما يتعرض الفرد لحادث مشابه لما حدث له سابقاً، أو متصلاً بعض الشيء بالموقف الجديد، يمكنه استرجاع تلك الحوادث التي مرّت به سابقاً، أو التي تكون مرتبطةً بالمواقف المعرفية والانفعالية الموجودة لديه أيضاً.
- الذاكزة الفورية:
يُطلق على الذاكرة الفورية Immediate Memory أحياناً: الذاكرة الحسية. وتستجيب هذه الذاكرة للمعلومات والأشياء المختلفة التي ندركها بحواسنا مدةً أقلّ من الثانية، وبعد ذلك إما أن ترفض هذه المعلومات بسبب عدم أهميتها، وإما أن تخزن بنوع آخر من الذاكرة، وهي الذاكرة القصيرة المدى. مثال: عندما تركب سيارة، وتطلّ من النافذة، فإنك ترى أشياء كثيرة مختلفة ومتنوعة، بعضها قد يبقى في ذاكرتك، وبعضها الآخر قد تنساه تماماً.
قد نخفق في استرجاع ما جرى ترميزه وتخزينه في الذاكرة الطويلة المدى على الرغم من طاقة هذه الذاكرة ودوامها؛ فقد ننسى بعد ساعات قليلة ما كنّا قد قرأناه أو سمعناه؛ فالنسيان من المظاهر المهمة للذاكرة الطويلة المدى، وهو ضروريّ للإنسان؛ فلولاه لغدا التفكير مضطرباً وغير منظّم.
 
النسيان نعمة ونقمة
يقوم العقل بترشيح المعلومات، وحفظ المفيد منها، وهذا الأمر يفيدنا في التعامل مع المشكلات التي تواجهنا، يقول إيريك كاندل من جامعة كولومبيا: إن العقل يقوم في كلّ لحظة بفرز المعلومات التي تصل إليه وتصنيفها؛ ليتخلص من الفضلات التي لا يحتاج إليها، ويحتفظ بالمعلومات الضرورية. ويظنّ بعض الناس أن تخزين كلّ المعلومات أمر مفيد، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فإذا كان (قرن آمون) يسمح بمرور كلّ المعلومات الواردة إليه فإن النتيجة ستكون وبالاً على صاحبها؛ فقد تابع العلماء بعض الأفراد الذين يتمتعون بذاكرة قوية، ولديهم القدرة على سرد سلسلة كبيرة من الكلمات والأرقام والحقائق وترديدها، وثبت أن أكثرهم يفتقد إلى القدرة على التفكير البسيط، واستخلاص المعلومات للاستفادة منها بصورة عملية.
على الطرف الآخر من الذاكرة هناك النسيان، وأفضل مثال على النسيان هو أحد العمال الذي كان يعمل في أحد المصانع الأمريكية، وكان يعاني نوبات صرع شديدة ومتكررة، وفي محاولة يائسة أجرى الجراحون له عام 1953م جراحةً تاريخيةً استأصلوا فيها الـHippocampus، وكان العامل وقتها في عمر 27 سنة، وساعدت الجراحة على السيطرة على نوبات الصرع من دون أن تؤثر في الذاكرة الموجودة لديه ذلك الوقت، لكن العامل فقد القدرة على اكتساب أيّ ذاكرة جديدة، وهو الآن لا يستطيع أن يخبرك عن طعام الإفطار الذي تناوله، أو عن عمره الحالي وتاريخ اليوم، أو حتى عن عنوان منزله.
مرض الزهايمر الشهير يتلف تدريجياً قرن آمون، وكذلك كبر السن العادي يؤثر في عمله، وتشير فحوصات ما بعد الوفاة إلى أن جميع البشر يفقدون نحو 5-10% من حجم المخ في عمر 60-70 سنة، والصور المغناطيسية للمخ أظهرت تناقص نشاط القشرة وقرن آمون مع كبر السن، وهذا الأمر واضح أيضاً عند مقارنة أداء صغار السن وكباره في اختبارات الذاكرة والاسترجاع، لكن لحسن الحظ فإن الفروق الموجودة قليلة؛ لذلك يرى أغلب العلماء أن كبر السن وحده لا يؤثر في عمل المخ بصورة كبيرة إلا إذا أصيب الإنسان بمرض الزهايمر أو بتصلّب الشرايين؛ فكبر السن يؤدي إلى تباطؤ استرجاع المعلومات، وقلّة حدته، لكن تظلّ الذاكرة تعمل بانتظام ونجاح. وقد لاحظ شاكتر أن صغار البالغين أكثر حدةً عن كبار السن في تذكّر التفاصيل الدقيقة للصور، لكن الكبار سرعان ما يتغلبون على ذلك بعد حثّهم على دقة الملاحظة، بل إن كثيراً منهم يتفوّق على صغار الدارسين في الكليات العلمية.
ومع اختلاف الأعمار فإن قدرات الإنسان على الاسترجاع والتذكّر تتفاوت بصورة كبيرة من وقت إلى آخر؛ فعلى سبيل المثال: الرئيس كلينتون يتذكر أسماء شخصيات كثيرة بصورة لا يمكن للشخص العادي القيام بها، ومع ذلك فإنه أيضاً ينسى أسماء كثيرة في أثناء إدلائه بالشهادة أمام لجان الاستماع كما يقول العالم جوردون، لكن هذا الأمر يعني أن قدراتنا ليست ثابتةً على الإطلاق؛ فقد اكتشف الباحثون عدداً من المؤثرات التي تعيق العقل عن العمل؛ فارتفاع ضغط الدم يقلّل من أداء العقل حتى وإن لم يسبّب جلطة الدماغ، وقلة النوم وتناول الأقراص المنومة والمسكرات والكحوليات، وخلل الغدة الدرقية، إضافةً إلى عوامل أخرى، تمنع العقل من الانتباه والتركيز فيما يدور حوله؛ مثل: الاكتئاب، والقلق، والإحباط، والتوتّر، وفقدان الحافز إلى التذكّر.
مواجهة صعوبات التذكّر
أهم الوسائل التي تساعد على مواجهة صعوبات التذكّر:
- أعطِ المنبّه فرصةً جيدةً كي ينبّه الذاكرة إلى الإجابة؛ فحينما تريد أن تتذكر اسم شخص ما فكّر في ذلك الشخص تفكيراً عميقاً، واثقاً من قدرتك على تذكّره، متجنّباً الشكّ من جهة قدرتك على التذكّر؛ لأن الشكّ نفسه مانع من موانع التذكّر؛ لأنه يشوّش على العقل. ثم فكّر في الوقت الذي قابلته فيه أول مرة، وراجع بنفسك اللحظة التي استعملت فيها اسم ذلك الشخص. وبهذا كلّه تعطي أفضل فرصة للمنبه لتنبيه الذاكرة إلى تذكّر هذا الاسم. وإذا قمت بارتجال خطبة على غير استعداد فثق بنفسك، وبمقدرتك على الخطابة، واستمرّ في خطبتك، وتجنّب القلق، وافرض أنك رجل عاديّ مهما كان مركزك، وقُل لنفسك: إن أخطأت فلست بأول من أخطأ، ولكلّ جواد كبوة؛ فإن ذلك كله يساعدك على نسيان شعورك بنفسك، وتفكيرك فيها، وستعجب للفصاحة التي تظهرها، وللنجاح الذي تبديه في خطبتك، ومقدرتك الخطابية؛ إذ لا تلكّؤ، ولا تلعثم. أما إذا أعددت خطبتك، وكنت متمكناً من مادتك، فثق بأن الأفكار ستدعو الألفاظ والعبارات التي تحتاج إليها، فيسبق الألفاظ بعضها بعضاً بتوارد الأفكار والخواطر عليك. والنصيحة التي نقدّمها لك: انسَ نفسك، وكُنْ عادياً، واعرف الابتداء جيداً، ثم النقاط التي تريد أن تتكلم عنها؛ حتى تربط كلّ نقطة بالأخرى، ثم اعرف الخاتمة أيضاً، حتى إذا خانتك ذاكرتك كان بإمكانك أن تختم خطابتك من غير أن يظهر عليك أيّ ارتباك، ولا يشعر بذلك أحد. أما إذا فكّرت في نفسك، وخفت الزلل، غابت عنك الأفكار، واضطربت في موقفك. وإذا كنت غير معتاد الخطابة فإنك تستطيع أن تستعين بمذكرة صغيرة من النقاط التي تريد التكلم فيها، وبالتمرّن على الخطابة تجد نفسك في وقت من الأوقات خطيباً مفوّهاً لا تحتاج إلى مذكرة، ولا تبالي مهما كثر السامعون. وكثير من الخطباء المشهورين اكتسبوا المقدرة الخطابية، وقوة التذكر، بالثقة بالنفس، والتمكّن من المادة التي يراد التكلم عنها، والاستعداد الفطري، والموهبة.
- اترك الأمر الذي لا تستطيع أن تتذكّره مدةً قصيرةً، وفكّر في شيء آخر، ثم ارجع إلى هذا الأمر من جديد تجده يعود إليك غالباً؛ فحينما لا يمكنك تذكّر اسم من الأسماء في الحال فلا فائدة من أن تستمر في محاولة تذكّره، لأنك إذا تركته لحظةً حصلت عليه، واستحضرته من غير تعب بعد نصف ساعة مثلاً. أما شرح هذه الظاهرة الغريبة فهو أنه كان هناك مانع يمنع التذكر حينما أردت أن تتذكر الاسم، وبزوال المانع أو هذه العقبة عاد التذكر. إن هذه القاعدة، وهي ترك المادة حينما تخونك الذاكرة، أو حينما تجد في نفسك تعباً، ثم الرجوع إليها مرةً أخرى عندما تشعر براحة جسمية، ونشاط عقلي، واستعداد للعمل، يمكنك أن تستعملها، لا في الأمور البسيطة فحسب؛ كالتفكير في اسم شخص، بل في الأحوال المعقدة، والمسائل الصعبة أيضاً؛ فإذا حاولت حلّ مسألة حسابية، أو نظرية هندسية، ووجدت نفسك في ارتباك أو صعوبة؛ فالوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحل هي أن تترك هذه المسألة، ثم تستريح بترك العمل، وممارسة الرياضة في الهواء الطلق، وحينئذٍ عُدْ إلى الحلّ من جديد تجد الصعب سهلاً، والغامض واضحاً، والباب المغلق قد فُتح، فيتبيّن لك الحلّ، وتنتهي مما تريد عمله في وقت قصير.
- حاول أن تكون مستمتعاً بما يُقال أو يُقرأ؛ فإن من أهم ما يساعدك على التذكّر أن تكون مستمتعاً بما يُقال لك أو بما تقرؤه؛ فمن دون هذا الاستمتاع أو الشغف لن تستطيع أن تقوم بتخزين المعلومات في ذهنك بدرجة عميقة كافية لاستدعائها مرةً أخرى بسهولة.
- افهم ما تقوم باستذكاره أو تقرؤه؛ فلا تتوقع أبداً أن تحتفظ طالباً بذاكرة جيدة إذا كنت تحفظ المعلومات حفظاً من دون فهم كافٍ؛ فلا تردّد الدروس كالببغاء، وإنما تأنَّ وركّز وابحث وحاول أن تفهم معنى كلّ ما تقوم بدراسته واستذكاره. وإذا استعصى عليك شيء فاسأل المعلم وحاوره حتى يتضح لك المعنى. كما أن الفهم يساعدنا كذلك على تذكّر كثير من الأشياء والمعلومات المختلفة في حياتنا العامة.
- ثق بقدرتك على التذكّر؛ فبعض الناس نراهم يستسلمون للاعتقاد بأن ذاكرتهم ضعيفة؛ لذا نراهم يقولون دائماً: «لا تعتمد عليّ؛ فأنا سريع النسيان». لكن العلماء لهم رأي آخر؛ فهم يرون أن عملية التذكر تحتاج إلى الثقة بالنفس، أو الثقة بقدرة الفرد على تذكّر الأشياء؛ فالطالب الذي يستذكر دروسه جيداً طوال العام الدراسي، ثم يشكو من النسيان عند حلول الامتحان، هو في الحقيقة يعاني ضعفاً في ثقته بنفسه أكثر ما يعاني ضعفاً في ذاكرته. ولكي تتم مقاومة هذا الضعف في الذاكرة قُلْ لنفسك: «لن أنسى. سوف أتذكر جيداً؛ لأنني قمتُ باستذكار كلّ دروسي بما فيه الكفاية».
- كن منتبهاً جيداً، لا تتوقع أن تتذكّر ما تقرؤه أو تسمعه وأنت في حالة من عدم الانتباه؛ فالقراءة ليست مجرد رؤية الكلمات، وإنما لابد أن يصاحب ذلك انتباه وتركيز لمعرفة ما تقوله هذه الكلمات، وربط المعاني معاً، كما أن الانتباه أحد ضروريات الاستماع الجيد الذي يحفز الذاكرة إلى تخزين المعلومات بدرجة كافية.
- تعدّ مراجعة المعلومات من وقت إلى آخر إحدى الوسائل الفعالة لتقوية الذاكرة؛ فإذا أردت أن تتذكر جيداً ما قمت بتحصيله طوال العام الدراسي، وتجتاز الامتحان بتفوّق، فلا تهمل عملية المراجعة والتكرار.
- لعلك تلاحظ أن بعض الطلاب يكتفون في أثناء عملية الاستذكار أو المراجعة باستخدام حاسة النظر؛ أي: يكتفون بالقراءة الصامتة، بينما يقوم آخرون باستخدام المعلومات، أو يقومون بترديد المعلومات بعد قراءتها. والحقيقة أنه قد ثبت أن عملية الترديد تساعد على التذكر بدرجة أفضل من الاعتماد على مجرد القراءة؛ لأنك في هذه الحالة تتعلم بعينيك وبأذنيك. إذاً، حاول ترديد ما تقرؤه، لكن احرص على ألا تجعل صوتك مرتفعاً أكثر من اللازم؛ حتى لا تزعج الآخرين، وحتى لا تصاب بصداع يؤرّق عملية الاستذكار والمراجعة.
التذكّر وعملية الربط بين الأشياء
تعدّ عملية الربط بين الأشياء من أهم العناصر المؤثرة في عملية التذكر وتنمية الذاكرة، ولا تتحقّق هذه العملية في وجود أيّ نوع من أنواع التوتر أو الاضطراب في المخ. ويعدّ إزالة التوتر والاضطراب الوجداني من المخ شرطاً أساسياً لتنمية الذاكرة القوية، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق هدوء العقل حتى بالوسائل الطبيعية؛ مثل: تمرينات التنفس بعمق، وتمرينات التأمل. ومن المعروف أن استدعاء المعلومات والمعارف يكون صعباً جداً في حالة وجود أيّ اضطرابات أو توترات عقلية. ويمكن للشخص في الساعات الأولى من الصباح، أو في الساعات المتأخرة من الليل، ممارسة عملية الحفظ؛ لأن هذه الأوقات تكاد تكون خاليةً من القلق والإزعاج الذي نعانيه خلال ساعات النهار. ومع ذلك، فإن بعض الاختبارات التي أُجريت على مجموعات من الشباب أوضحت أنه يمكن المحافظة على درجة التركيز على الرغم من وجود بعض مصادر القلق الطبيعي، مثل الضوضاء.
أما عن فكرة الربط بين الأشياء، فإن الطفل الصغير يستطيع أن يبدأ محاولات تنمية ذاكرته من دون وعي، سواء من خلال والديه أم بإرادة مباشرة، إذا قام بإحداث عملية الربط بين القصة التي ترويها له الأم قبل النوم وأحداث تجري من حوله، أو الربط بين شخصيات الحكاية والواقع من خلال خياله الخصب كأنه يراها أمامه، وهذا النوع من النشاط العقلي يجعله قادراً على أن يتذكّر كلّ تفاصيل الحكاية والأحداث التي سمعها وهي تُروى أمامه.
يعدّ حفظ الأرقام في الذاكرة مشكلةً كبيرة بالنسبة إلى كثيرين منا؛ فإذا استطعنا أن نربط بين الأرقام المطلوب حفظها وأرقام معينة نحفظها بالفعل، أو تعني بالنسبة إلينا شيئاً مهماً، فإن مشكلة الحفظ هنا تكون أكثر سهولةً. إن الأمر يحتاج منا إلى أن نتعمّد الربط بين ما نهتمّ به من معالم وأشياء والوافد الجديد من المعلومات؛ فنستقبلها بما يليق بها من حفاوة، وهذه الحفاوة هي في الواقع الترتيبات التي تضعها في المكان المناسب لها في ذاكرتنا، وهذا المكان المُهيّأ اللائق يقع بجوار أشياء مشابهة أو مهمة بالنسبة إلينا، فإذا ذكر صديقك رقم الهاتف الخاصّ به أمامك على عجل، ولم تكن هناك فرصة لتسجيله كتابةً، فما عليك إلا أن تقسم الرقم بسرعة إلى وحدات مناسبة؛ كأن يكون الرقم الأول والثاني تاريخ ميلادك، أو عمرك، أو عمر زوجتك، أو غير ذلك من الأرقام المعروفة لديك جيداً، وبهذا يتم الأمر لباقي الوحدات الرقمية. وهكذا تتم عملية الربط بين المعلومات، وبعدها ستجد أن حفظ هذه المعلومات سهل ميسور مهما بلغ حجمها، حتى إذا شعرت بأنها عملية مملّة، لأنها بالفعل تساعدك على حفظ أشياء كثيرة. حاول أن تكون الأشياء التي تربط بها المعلومات الجديدة أشياء مرحة وسهلة؛ حتى تدفع عن نفسك الملل الذي قد يصيبك من إجراء عمليات الربط بين المعلومات.
بعض أساليب الربط
- التشابه بين المعلومات الجديدة والمعلومة الموجودة فعلاً في الذاكرة من ناحية الشكل، أو المضمون، أو الكم، أو اللفظ، وغير ذلك من أوجه المقارنة.
- التنظيم حسب طبيعة الأشياء المطلوب حفظها بأن تجري ترتيباً خاصاً بها؛ كالعد التنازلي، أو العد التصاعدي.
- المقابل والمضاد؛ فبهذه الطريقة نستطيع الربط بين المعلومة الجديدة ومعلومة عكسها ومضادة لها، أو معلومة تقابلها؛ مثل: الساخن والبارد، الصيف والشتاء؛ فإذا تذكرت كلمة ما فإنك تستطيع بسهولة أن تتذكر مقابلها.
- التصنيف، وهي من أفضل أساليب التذكّر؛ إذ يمكنك تصنيف بعض المدن المطلوب حفظها على أنها عواصم مثلاً: لندن، ودمشق، والقاهرة، وباريس، وبالمثل يمكنك أن تقول: الأسد، والنمر، والذئب من الحيوانات المفترسة.
- التصوّر: وهو أسلوب في غاية السهولة، ومن أكثر الأساليب انتشاراً؛ لأن كلّ ما تسمعه تستطيع أن تتصوّره في خيالك وداخل عقلك عن طريق هذه المَلَكة الجبارة. ومن هنا يأتي تأثير الأعمال الدرامية، والأعمال الإذاعية، من خلال المؤثرات الصوتية التي تترك لخيالك مساحةً شاسعةً يعمل فيها، وتساعدك على حفظ ما تسمعه جيداً في ذاكرتك؛ فإذا سمعت -مثلاً- أن النمر انقضّ على الغزالة السريعة فيمكنك أن تتخيّل النمر وهو ينقضّ على الغزالة، وبذلك لن تنسى الجملة، وسوف يزيد ذلك من قدرتك على حفظ الكلمة إذا سمعت صوت الانقضاض نفسه، وما يتبعه من أصوات العراك والصراع.
- الرمز: من المعروف أن الرموز تساعد على تذكّر الكلمات؛ فاللون الأبيض مثلاً يعدّ رمزاً للبراءة، واللون الأسود يعدّ رمزاً للحزن، وهكذا فإننا نحفظ الكلمات برموزها.
- التجميع: وهو من أهم أساليب الربط؛ فتستطيع -مثلاً- أن تربط بين الأشخاص الذين يعيشون معاً بصفة دائمة؛ مثل: الأزواج، وأفراد الأسرة، وزملاء العمل، وزملاء الفصل، وهكذا.
- السبب: وهو يعتمد على السبب والتأثير، مثل: الربط بين البحر والبواخر، والأمطار والزراعة، والحزن والدموع، وهكذا حسب الخبرات المتراكمة في ذهنك من خلال تجاربك وظروف البيئة التي تعيش فيها.
- الصوت: وهو أسلوب يمكن الاعتماد عليه في حفظ الأشياء في الذاكرة؛ فالصوت يمكن تمييزه بسهولة، وتعرّف مدلوله وصاحبه، وقد أصبحت بصمة الصوت حالياً من المميزات الشخصية، مثل بصمة اليد.
----------------------------------------

  
المراجع:
(1) أحمد عكاشة، علم النفس الفسيولوجي، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1998م.
(2) أمل علي المخزومي، برمجة بشرية للتذكّر والنسيان، مجلة العربي، الكويت، أكتوبر 1995م، العدد 443.
(3) أيمن الحسيني، كيف تعيش حياتك بمخّ قويّ وذاكرة حديدية؟، القاهرة: دار الطلائع، 2003م.
(4) جيهان أحمد فرج، النسيان في عصر المعلومات، مجلة العربي، الكويت، مايو 1999م، العدد 486.
(5) ظافر قطمة: النسيان نعمة أم نقمة؟، مجلة الكويت، الكويت، مايو 2008م، العدد 295.
(6) عبدالجبار أحمد عبدالجبار، كيف تتمتّع بذاكرة حديدية؟، القاهرة: دار الطلائع، 2010م.
(7) فدية عبدالوهاب عثمان، كيف تقوّي ذاكرتك وتنشّطها؟، القاهرة: مكتبة ابن سينا، 1997م.
(Cool مايكل كيرلاند، وريتشارد لوبوف، كيف تقوّي ذاكرتك؟، القاهرة: دار الفاروق، 2001م.
(9) محمد قاسم عبدالله، سيكولوجية الذاكرة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فبراير 2003م، العدد 290.
(10) مروة عماد الدين، كيف تنمّي ذاكرتك؟، القاهرة: دار الطلائع، 1994م.
(11) Averbach, E.and Coriell, A. (1961). Short term memory in viion. Bell system Technology Journal. Brewer. (1986).
(12) Brown, L. (1995). The therapy client as plaintiff, Clinical and legal issues for treating theraqists. In J. Alpert, Sexual abuse recalled. Northvalem N, Jason Aronson.
(13) Crahk, F. and Lockhart, R. (1972) Levels of procesyng: A frame work of memory research. Jounal of Verbal Learning and Verbal Behavior.
(14) Dawes, R, (1994). House of cards. Toronto: Maxwell Macmillan.
(15) Gruneberg, M. (1987). Practical aspects of memory. London, Academic Press.
(16) Horowitz, M. (1976).Stress response syndrome, New York: Aronson.
(17) Khan, A. (1986). Clinical disorders of memory. Plenum Medical Book Company. New York and London.
(18) Loftus, E. (1993). The reality of repressed memories, American psychologist.
(19) Maclean, H. (1993). Once upon a time: A true story of memory, murder and the law. New York, Harper Collins.
(20) Priolli, P.and Mitterer, J. (1984). The effects of leading questions on pror memory, Candian journal of Psychology.
avatar
hacene

المساهمات : 256
تاريخ التسجيل : 16/02/2016
الموقع : منتديات الأستاذ: بوعجاجة حسان

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hacene.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى